السياسة العمومية لماذا تفشل الخطط الجيدة؟
في هذا الشريط نبرز إشكالية التنفيذ في السياسات العمومية، ونتساءل لماذا تفشل الخطط الجيدة
الذكاء الاصطناعي
بين ذكاء الآلة وذكاء الإنسان تضيق الفجوة يوما بعد يوم، رغم إنكار كثيرين لما يسمى بذكاء الآلة
التدبير الإداري
يمثل القانون 54.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية نقلة نوعية في تدبير علاقة الإدارة بالمواطن
الأربعاء، 18 مارس 2026
ملخص نقدي وكتابي محكم لكتاب "الذكاء الإنساني: اتجاهات معاصرة وقضايا نقدية"
ملخص نقدي وكتابي محكم لكتاب "الذكاء الإنساني: اتجاهات معاصرة وقضايا نقدية"
1. بطاقة تعريفية بالكتاب والسياق المعرفي
يأتي كتاب "الذكاء الإنساني: اتجاهات معاصرة وقضايا نقدية" لمؤلفه الدكتور محمد طه، والصادر عن سلسلة "عالم المعرفة" (العدد 330) في أغسطس 2006 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، كوقفة نقدية فاحصة لمسيرة قرن كامل من محاولات سبر أغوار العقل البشري. لا يسعى المؤلف لمجرد التأريخ الأكاديمي منذ صدور أول اختبار لـ "ألفرد بينيه" عام 1905، بل يهدف إلى تفكيك الدلالات السياسية والاجتماعية والفلسفية الكامنة خلف مفهوم الذكاء، كاشفاً عن التحولات التي جعلت من "الرقم" (IQ) أداة للهيمنة وتبرير التراتبية الطبقية والعرقية في المجتمعات الغربية.
2. التطور التاريخي لمفهوم الذكاء: من الجذور الفلسفية إلى "القياس الزائف"
يستعرض الكتاب الجذور التاريخية التي مهدت لظهور علم النفس القياسي، مع التركيز على التقابل بين الرؤى المبكرة والتوجهات المعاصرة:
- الأصول القديمة والقدرية الوراثية: يبرز الكتاب الاختبارات الصينية لاختيار الموظفين (القرن الثاني قبل الميلاد) كأولى محاولات الفرز المهني. وفي الفكر اليوناني، قدم أفلاطون في "الجمهورية" رؤية تقوم على "القدرية الوراثية"، مقسماً البشر إلى فئات (ذهبية، فضية، حديدية/نحاسية) بناءً على معادن فطرية لا تتغير، وهو ما يشكل البذرة الأولى لفكرة الحتمية الوراثية.
- الإسهامات العربية/الإسلامية: قدم ابن الجوزي في كتابه "الأذكياء" رؤية متقدمة حلل فيها العلاقة الديناميكية بين الوراثة والبيئة والمناخ، مميزاً بين الذكاء اللفظي والذكاء العملي (سرعة الاستجابة)، وهو سبق معرفي في إدراك الطبيعة المتعددة للقدرات العقلية.
- التحول نحو الممارسة العيادية والتربوية: يشير المصدر إلى جهود الأطباء النفسيين الفرنسيين الأوائل مثل "إيتارد" وتجربته الشهيرة مع "طفل أفيرون المتوحش" (Wild boy of Aveyron)، وتابعه "سغوين" في تطوير "التدريب الحسي" للموقوفين نمائياً، مما مثل انتقالاً جوهرياً من التشخيص الطبي الصرف إلى محاولات "التربية الخاصة".
- الصراع الفلسفي في عصر التنوير: التباين الجذري بين النزعة الأمبيريقية (لوك وهوم) التي رأت العقل صفحة بيضاء، والنزعة العقلانية (ديكارت وكانط) التي آمنت بالأبنية الفطرية السابقة على الخبرة.
جدول: تجليات "علم القياس الزائف" في القرن التاسع عشر وتحيزاته المنهجية
العلم الزائف | المفهوم المنهجي | الرواد | آليات التلاعب والتحيز |
|---|---|---|---|
الفرينولوجيا (Phrenology) | ربط نتوءات الجمجمة بالملكات العقلية. | فرانز غال | محاولة إيجاد مبررات فيزيولوجية للفروق الفردية بناءً على شكل الرأس. |
قياس الجمجمة (Craniometry) | افتراض علاقة طردية بين حجم/وزن المخ والذكاء. | صامويل مورتون، بول بروكا | تلاعب منهجي عبر استبعاد العينات: (مثل استبعاد الأدمغة الكبيرة للأعراق غير البيضاء) لتكريس دونية السود والمهاجرين وتفوق العرق القوقازي. |
3. المداخل المعاصرة لدراسة الذكاء (تحليل الباب الأول)
يصنف الكتاب الممارسات العلمية الحديثة في دراسة الذكاء إلى أربعة مداخل جوهرية:
- المدخل السيكومتري: يرتكز على إحصاء الفروق الفردية والقياس الكمي، حيث يُنظر للذكاء كبناء يمكن اختزاله في درجات رقمية.
- المدخل المعرفي: يركز على العمليات الذهنية (كيفية التفكير) وليس فقط نواتجها، محللاً أساليب معالجة المعلومات، والترميز، والقدرة على حل المشكلات.
- المدخل البيولوجي: يبحث في المظاهر العصبية والوراثية، وسرعة السيالات العصبية، وكيمياء الدماغ كمحددات للذكاء.
- المدخل الثقافي: يرى أن الذكاء مفهوم "سياقي"؛ فما تراه الثقافة الغربية ذكاءً قد يراه مجتمع آخر نمطاً من "التبجح" أو عدم الحكمة، مؤكداً على دور البيئة الاجتماعية في تشكيل المعرفة.
4. القضايا الجدلية: السياسة في ثوب العلم (النموذج الأمريكي)
يفكك الكتاب كيف تحول القياس في الولايات المتحدة من أداة تربوية إلى وسيلة لـ "الضبط الاجتماعي":
- الداروينية الاجتماعية وتحسين النسل: تبنى "سبنسر" و"غالتون" فكرة "البقاء للأصلح" اجتماعياً، مما ولد حركة "تحسين النسل" (Eugenics) لإقصاء الضعفاء عقلياً ومنع تكاثرهم.
- حركة القياس وتزييف الواقع: استخدم "غودارد" دراسة أسرة "كاليكاك" لإثبات الانحلال الوراثي، ووصل التلاعب إلى حد "إضافة ظلال مخيفة لصور الوجوه" في الكتاب لإعطاء انطباع بالبلاهة والشر الوراثي. وقد أدى هذا التوجه لشرعنة التعقيم القسري وتقييد الهجرة عبر قانون 1924.
- اختبارات الجيش (1917) والذعر القومي: طبق "يركز" و"تيرمان" اختبارات "ألفا" و"بيتا" في ظروف كارثية (ضجيج، زحام، عوائق لغوية للمهاجرين)، مما أفرز نتيجة صادمة تزعم أن متوسط العمر العقلي للرجل الأبيض الأمريكي هو 13 سنة فقط (حافة الضعف العقلي)، وهو ما استُغل سياسياً للادعاء بتدهور "الرصيد الوراثي القومي" بسبب المهاجرين والسود.
5. أزمة الأمانة العلمية و"وهم الوراثة"
يناقش الكتاب بصرامة التجاوزات العلمية التي استهدفت ترسيخ التمييز:
- فضيحة "سيريل بيرت": كشف الكتاب عن اتهامات التزوير الواسعة في بيانات التوائم المتطابقة التي قدمها بيرت، وكيف أدى هذا التزييف إلى صياغة سياسات تعليمية انتقائية في بريطانيا (نظام 11+) حطمت مستقبل ملايين الأطفال بناءً على فرز مبكر زائف.
- أطروحة "آرثر جينسن" (1969): زعم جينسن أن 80% من الذكاء موروث، مبرراً فشل برامج التربية التعويضية (مثل Head Start) بدونية وراثية للأعراق.
- تفكيك "وهم الوراثة" (Hereditarian Fallacy): فند الكتاب هذا الخلط المنهجي؛ فالوراثة العالية "داخل" الجماعة الواحدة (مثل طول القامة) لا تعني أبداً أن الفروق "بين" الجماعات وراثية. ويستخدم المنطق العلمي مثال "النباتات في تربتين مختلفتين" لتوضيح أن الفروق بين الجماعات تعود كلياً للبيئة حتى وإن كانت الوراثة هي المتحكم داخل كل جماعة على حدة.
6. السياق السياسي المحرك للجدل (الستينات)
يربط المؤلف بذكاء بين عودة الجدل حول الذكاء والمحركات الخارجية:
- أزمة "سبوتنيك": شعور أمريكا بالهزيمة العلمية أمام السوفييت أدى لاندفاع محموم نحو اختبارات الذكاء للبحث عن "الموهوبين".
- حركة الحقوق المدنية: تصاعدت هذه الاختبارات كرد فعل "علمي" مضاد لمطالب المساواة والعدالة الاجتماعية التي قادها السود والمهمشون.
7. نمو الذكاء وتطويره: بين التفاؤل والتشاؤم
يقابل الكتاب بين "التفاؤل التربوي" عند "بينيه" (الذي رأى الذكاء قابلاً للنمو بالتدريب) وبين "التشاؤم الوحشي" لعلماء القياس الأمريكيين الذين اعتبروا الذكاء قدراً بيولوجياً ثابتاً. ويؤكد الكتاب في فصوله الأخيرة أن الذكاء عملية ديناميكية تتشكل عبر التفاعل المستمر مع البيئة، وأن "نسبة الذكاء" ليست حكماً مؤبداً.
8. مستقبل دراسة الذكاء والألفية الجديدة
- ظاهرة "فلين": الزيادة المستمرة في درجات الذكاء عبر الأجيال، مما يثبت أثر تحسن التغذية والتعليم.
- التحول التكنولوجي: الانتقال نحو التقييم الديناميكي والقياس المحوسب الذي يتجاوز جمود الاختبارات الورقية.
- الذكاء الاصطناعي: استشراف العلاقة التكاملية بين العقل البشري والأنظمة الذكية.
9. الخاتمة: نحو "مدرسة عربية" ومنظور عدلي
يختتم الدكتور محمد طه هذا العمل الرصين بدعوة حاشدة لتفكيك "المركزية الغربية" في علم النفس. إن الكتاب يبرهن على أن سوء استخدام المقاييس لم يكن مجرد خطأ تقني، بل كان نتاج "تحيزات مسلفنة" اتخذت من العلم رداءً.
الموقف المقترح: ضرورة التأسيس لـ "مدرسة عربية" لدراسة الذكاء؛ مدرسة تنطلق من الخصوصية الثقافية واللغوية لمجتمعاتنا، وتؤمن بالعدالة الاجتماعية كمنطلق للقياس، بحيث يصبح الهدف من اختبارات الذكاء هو "تطوير الإنسان" وتمكينه، لا تصنيفه وإقصاءه ضمن منظومة قيمية مستوردة لا تعبر عن إمكاناته الحقيقية.
الخميس، 12 مارس 2026
المنفعة العامة ودورها في تحديد العقد الإداري
شركة العمران ولئن اتخذت شكل شركة مساهمة، إلا أنها ظلت تمارس بعضا من صلاحيات ومهام تتعلق بتدبير مرفق عام بتفويض من السلطة الإدارية المختصة
الأربعاء، 11 مارس 2026
محدودية المعيار العضوي في تصنيف العقد الإداري
إشكالية الاختصاص النوعي: التمييز الدقيق الذي أجراه القرار بين اختصاص القضاء الإداري والقضاء التجاري، خاصة عندما يتعلق الأمر بعقود مبرمة من قبل "فروع" المؤسسات العمومية (مثل فرع صندوق الإيداع والتدبير).
معايير العقد الإداري: مناقشة مدى توفر مقومات العقد الإداري في النازلة، بما في ذلك معيار "المرفق العام" ومعيار "الشروط الاستثنائية وغير المألوفة" في القانون الخاص.
التأصيل التشريعي والقضائي: تحليل استناد المحكمة إلى المادة 13 من القانون رقم 41.90 وقانون المسطرة المدنية، وكيفية ردها على الدفوع المتعلقة بخرق قانون الصفقات العمومية.
البعد الفقهي: استحضار القواعد الفقهية التي تحكم العقود التجارية التي تبرمها أجهزة تابعة للدولة عندما تخضع لقواعد القانون الخاص بدلاً من القانون العام
معايير العقد الإداري - لماذا تختلف عقود الدولة عن العقود الخاصة؟
مفهوم العقد الإداري وتميزه العقد الإداري هو ذلك الاتفاق الذي يبرمه شخص معنوي عام، أو من ينوب عنه، مع فرد أو شركة، استجابةً لمتطلبات المصلحة العامة أو لتدبير مرفق عمومي. ما يجعل هذا العقد متميزاً عن عقود القانون الخاص هو اختلال التوازن بين طرفيه؛ حيث تتمتع الإدارة بسلطات واسعة مستمدة من فكرة المصلحة العامة، بينما يسعى المتعاقد الخاص عادةً لتحقيق الربح. وبناءً على ذلك، استقر الفقه والقضاء على ثلاثة معايير أساسية لتحديد طبيعة العقد:
أولاً: المعيار التنظيمي (العضوي) يتمثل هذا المعيار في ضرورة وجود شخص معنوي عام كطرف في العقد، سواء كان الدولة، أو الجماعات الترابية، أو المؤسسات العمومية. ويعد هذا المعيار شرطاً شكلياً لازماً؛ فإذا أبرم العقد بين أشخاص من القانون الخاص، فإنه يُعتبر عقداً مدنياً كأصل عام. ومع ذلك، أورد القضاء استثناءات على هذا المعيار، حيث يمكن اعتبار العقد إدارياً إذا ثبت أن الشخص الخاص يتصرف نيابة عن الشخص المعنوي العام ولحسابه، كما في حالات تنفيذ الأشغال العمومية الكبرى، أو عندما يمارس الشخص الخاص مهمة تدبير مرفق عمومي مع التمتع بصلاحيات السلطة العامة تحت رقابة وثيقة من الدولة.
ثانياً: المعيار المادي (الشروط الاستثنائية) يركز هذا المعيار على مضمون العقد وبنوده، حيث يجب أن يتضمن شروطاً استثنائية وغير مألوفة في معاملات القانون الخاص. هذه الشروط تمنح الإدارة حقوقاً لا يتمتع بها الأفراد في عقودهم العادية، مثل:
- سلطة الإدارة في تعديل بنود العقد بإرادتها المنفردة بما يخدم المصلحة العامة.
- حق الإدارة في الرقابة والإشراف المباشر على التنفيذ.
- إمكانية توقيع جزاءات على المتعاقد أو فسخ العقد دون الحاجة إلى تدخل القضاء. هذه الشروط تعكس نية الإدارة في استخدام وسائل القانون العام لتحقيق أغراضها المرفقية.
ثالثاً: المعيار الموضوعي (المرفق العام) يركز هذا المعيار على الغاية من العقد، وهو اتصاله بنشاط مرفق عام من حيث تنظيمه أو تسييره أو المعاونة في إدارته. وقد اعتبر القضاء أن مجرد تكليف المتعاقد بإنجاز خدمة عمومية كافٍ لإضفاء الصفة الإدارية على العقد، حتى في غياب الشروط الاستثنائية الصريحة أحياناً. فالعبرة هنا هي بمدى مساهمة العقد في تسيير المرفق وتحقيق احتياجاته الأساسية.
التمييز بين العقود الإدارية والمدنية للإدارة تجدر الإشارة إلى أن ليس كل عقد تبرمه الإدارة هو بالضرورة عقد إداري؛ فإذا تصرفت الإدارة كفرد عادي (مثل بيع أموالها الخاصة أو استئجار عقار لمكتب بريدي دون شروط استثنائية)، فإن العقد يظل محكوماً بقواعد القانون الخاص ويخضع لاختصاص القضاء العادي. العقد الإداري يتطلب دائماً اجتماع عنصر الشخص العام مع عنصر المرفق العام أو الشروط الاستثنائية التي تظهر بمظهر السلطة العامة









